الخميس، 29 يناير 2026

تحركات واشنطن في شمال إفريقيا: لماذا يزور بولس الجزائر الآن؟


تأتي الزيارة الثانية التي يقوم بها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، مسعد بولس، إلى الجزائر في سياق إقليمي ودولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وعودة ملف نزاع الصحراء إلى واجهة الاهتمام داخل الدوائر الدبلوماسية الكبرى، وفي مقدمتها واشنطن. وهي زيارة تحمل في طياتها أكثر من رسالة، سواء على مستوى العلاقات الثنائية الأمريكية-الجزائرية، أو على مستوى مقاربة الولايات المتحدة لمسار تسوية هذا النزاع الإقليمي المزمن.

من الناحية الشكلية، تقدم الزيارة باعتبارها محطة لتعزيز الشراكة والتعاون بين البلدين في مجالات متعددة، وهو خطاب دبلوماسي مألوف يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة مع الجزائر باعتبارها فاعلا إقليميا في شمال إفريقيا والساحل. غير أن توقيت الزيارة، وسجل التصريحات السابقة للمسؤول الأمريكي حول قضية الصحراء، يجعلان من الصعب فصلها عن هذا الملف الحساس.

فخلال الأشهر الماضية، عبر مسعد بولس بوضوح عن تمسك الإدارة الأمريكية بموقفها الداعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، معتبرا إياها الحل الوحيد الواقعي والقابل للتطبيق، ومذكرا بالقرار السيادي للرئيس دونالد ترامب القاضي بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه. هذا الموقف يضع حدودا واضحة لأي رهانات جزائرية على إمكانية تغيير جذري في المقاربة الأمريكية، ويؤكد في الوقت ذاته أن واشنطن تسعى إلى إدارة التوازنات الدبلوماسية دون المساس بجوهر موقفها من النزاع.

وفي هذا السياق، يمكن فهم زيارة بولس إلى الجزائر باعتبارها محاولة أمريكية لإشراك الجزائر بشكل أكبر في منطق البحث عن تسوية سياسية، بدل الاكتفاء بدور المساند لجبهة البوليساريو. فالولايات المتحدة، كما عبر عن ذلك قرار مجلس الأمن رقم 2797، تدفع في اتجاه انخراط جميع الأطراف المعنية في مسار سياسي جاد، وهو ما يعني عمليا تحميل الجزائر جزءا من المسؤولية في الدفع نحو حل توافقي.

كما تندرج الزيارة ضمن مقاربة أمريكية أوسع تهدف إلى إعادة بعث المسار السياسي المتعثر، في ظل حديث متزايد عن إمكانية احتضان واشنطن لجولات تفاوضية جديدة. وهو توجه يعكس رغبة في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة البحث عن تسوية نهائية، خاصة في ظل تنامي التحديات الأمنية في منطقة الساحل، التي تجعل من استمرار النزاع عامل عدم استقرار إضافي.

من جهة أخرى، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن دقيق بين توطيد علاقاتها مع المغرب باعتباره شريكا استراتيجيا موثوقا، وبين تطوير تعاونها مع الجزائر في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي. هذا التوازن يفسر خطاب المجاملة الدبلوماسية الموجه للجزائر، مقابل وضوح أكبر في الموقف المتعلق بأسس الحل السياسي لنزاع الصحراء.

وبالنتيجة، فإن زيارة مسعد بولس إلى الجزائر لا يمكن قراءتها كتحول في الموقف الأمريكي، بقدر ما تعكس سعيا لإعادة ضبط إيقاع الوساطة الدولية، وإرسال رسالة مفادها أن باب الحل السياسي ما يزال مفتوحا، لكن ضمن مرجعية واضحة أساسها مبادرة الحكم الذاتي المغربية. وهي رسالة مزدوجة: طمأنة للمغرب باستمرارية الدعم الأمريكي، وتنبيه للجزائر إلى أن مرحلة المواقف الجامدة لم تعد تواكب منطق التحولات الإقليمية والدولية.

في المحصلة، تبدو واشنطن اليوم أكثر اقتناعا بأن تسوية نزاع الصحراء تمر عبر الواقعية السياسية، وليس عبر أطروحات انفصالية أثبتت محدوديتها. وزيارة بولس إلى الجزائر تأتي لتكريس هذا التوجه، وتهيئة الأرضية الدبلوماسية لمرحلة جديدة عنوانها: الضغط الناعم من أجل حل نهائي، بدل إدارة أزمة مفتوحة بلا أفق.