الخميس، 29 أكتوبر 2026

تحولات رقمية تعيد تشكيل حماية الإبداع في المغرب


في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي تعيد تشكيل ملامح الإبداع، يشهد مجال حقوق المؤلف في المغرب تحولا عميقا يفرض مراجعة الأطر القانونية التقليدية، خاصة مع بروز أشكال إبداعية هجينة تدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطرح أسئلة جديدة حول مفاهيم الأصالة والاقتباس.

وأصبح هذا التحول يفرض إعادة تعريف دور المبدع داخل سوق يطغى عليه الطابع اللامادي، في وقت أفرزت فيه التكنولوجيا الحديثة أدوات جديدة، من قبيل الرموز غير القابلة للاستبدال والأعمال الموثقة عبر تقنية البلوكشين، والتي تمنح الفنانين إمكانيات غير مسبوقة لتتبع أعمالهم وتعزيز سيادتهم الرقمية، غير أن هذا التطور يطرح في المقابل تحديات تتعلق بحماية الإبداع البشري في مواجهة الأتمتة.

وفي هذا السياق، أكدت المديرة بالنيابة للمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، دلال المحمدي العلوي، أن التعديلات التي همت الإطار القانوني المنظم للقطاع، ولا سيما القانون رقم 2.00، تعكس توجها نحو توسيع نطاق الحقوق الخاضعة للتدبير الجماعي، بما يواكب التحولات التي يعرفها المجال الإبداعي.

وأوضحت أن من بين أبرز الأوراش الجارية العمل على إرساء شروط تدبير حق التتبع لفائدة مبدعي الفنون التشكيلية والبصرية، بما يتيح لهم الاستفادة من نسبة من عائدات إعادة بيع أعمالهم في السوق، إلى جانب تفعيل المقتضيات المرتبطة بإعادة الإنتاج التصويري، بما يمكن المؤلفين والناشرين والصحفيين من تحصيل حقوقهم بشكل كامل.

وأشارت المسؤولة إلى أن هذه الدينامية تعكس إرادة واضحة لتوسيع مجالات الحماية القانونية، عبر إدماج فئات جديدة من الحقوق ومواكبة التطورات الرقمية التي يعرفها القطاع.

وفي ما يتعلق بالتحديات الراهنة، أبرزت المحمدي العلوي أن الذكاء الاصطناعي يطرح إشكالات غير مسبوقة، خاصة في ما يرتبط بتحديد صفة المؤلف، واستعمال الأعمال المحمية في تدريب الأنظمة الذكية، فضلا عن تنامي مظاهر الاستغلال غير المشروع عبر المنصات الرقمية.

كما لفتت إلى تفاقم ظواهر البث غير المرخص والقرصنة الرقمية، خصوصا في المجال السمعي البصري، وهو ما يفرض اعتماد مقاربات قانونية وتقنية متكاملة، تجمع بين تطوير النصوص القانونية وتعزيز التعاون مع الفاعلين الرقميين وتكثيف جهود التحسيس والزجر.

وأكدت أن آليات البصمة الرقمية تمثل أداة مهمة لتتبع الأعمال الإبداعية، غير أنها تظل غير كافية بمفردها، ما يستدعي اعتماد رؤية شمولية لمواجهة التحديات الجديدة.

وبخصوص مساطر التصريح بالأعمال، أوضحت أن المكتب يعتمد قواعد موحدة مع مراعاة خصوصيات كل نوع من الإبداعات، سواء الموسيقية أو الأدبية أو الدرامية، مع الحرص على تبسيط الإجراءات وتسهيل ولوج المرتفقين إلى خدماته.

وعلى مستوى الحصيلة، سجلت المسؤولة أن القطاع يعرف دينامية إيجابية خلال السنوات الأخيرة، تجلت في ارتفاع عدد التصريحات بالأعمال وتحسن مؤشرات تحصيل وتوزيع الحقوق، ما يعكس تنامي وعي المبدعين بأهمية حماية إنتاجاتهم وثقتهم في آليات التدبير الجماعي.

غير أنها نبهت إلى استمرار بعض التحديات، من بينها الاستغلال غير المشروع للأعمال وعدم أداء المستحقات القانونية من طرف بعض الجهات، مؤكدة ضرورة مواصلة الجهود لتعزيز ثقافة احترام حقوق المؤلف، خاصة في صفوف المبدعين الشباب.